ابو القاسم عبد الكريم القشيري
163
لطائف الإشارات
ويقال معناه : لو أهلك اللّه أهل القرى وهم مصلحون لم يكن ذلك ظلما من اللّه ؛ لأن الملك ملكه ، والخلق عبيده . ويقال « الْمُصْلِحِ » من قام بحقّ ربّه دون طلب حظّه . ويقال : « الْمُصْلِحِ » من آثر نجاته على هلاكه . ويقال مصلح تصلح نفسه طاعته ، ومصلح تصلح قلبه معرفة سيّده ، ومصلح تصلح سرّه مشاهدة سيّده . قوله جل ذكره [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 118 إلى 119 ] وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ( 118 ) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 119 ) لو شاء لجعلهم أرباب الوفاق ثم لا يوجبون لملكه زينّا ، ولو شاء لجعلهم أرباب الخلاف ثم لا يوجبون لملكه شينا . ثم قال : « وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ » لأنه كذلك أراد بهم . إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ في سابق حكمه فعصمهم عن الخلاف في حاصل أمورهم ، وأقامهم به ، ونصبهم له ، وأثبتهم في الوفاق والمحبة والتوحيد . قوله جل ذكره وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ أي لا تبديل لقوله ، ولا تحويل لحكمه . قوله جل ذكره : [ سورة هود ( 11 ) : آية 120 ] وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 120 ) سكّن قلبه بما قصّ عليه من أنباء المرسلين ، وعرّفه أنه لم يرقّ أحدا إلى المحلّ الذي رقّاه إليه ، ولم ينعم على أحد بمثل ما أنعم عليه . ويقال قصّ عليه قصص الجميع ، ولم يذكر قصته لأحد تعريفا له وتخصيصا . ويقال لم يكن ثبات قلبه بما قصّ عليه ولكن لاستقلال قلبه بمن كان يقص عليه ، وفرق بين من يعقل بما يسمع وبين من يستقل بمن منه يسمع ، وأنشدوا :